ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

236

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

المحبة السالكين في جادة المحنة ، فالواصلون منهم في البدايات أكثر من غيرهم في النهايات ، فهذا الطريق المختار مبتن على الموت بالإرادة ، قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « موتوا قبل أن تموتوا » ، وهذا الطريق محصور في عشرة أشياء . الأول : التوبة وهي الرجوع إلى اللّه ( تعالى ) بالإرادة ، كما أن الموت رجوع بغير الإرادة لقوله ( تعالى ) : ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً « 1 » وهو الخروج عن الذنوب كلها ، والذنوب ما يحجبك عن اللّه من مراتب الدنيا والآخرة ، فالواجب على الطالب الخروج عن كل مطلوب سواه حتى الوجود ، قال بعض الصوفية : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب . الثاني : الزهد في الدنيا وهو الخروج عن متاعها وشهواتها قليلها وكثيرها ومالها وجاه‌ها ، كما أن بالموت يخرجون منها ، وحقيقة الزهد أن يزهد في الدنيا للآخرة كما قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الدنيا حرام على أهل الآخرة » . . . الخ . الثالث : التوكل على اللّه وهو الخروج عن الأسباب ، والكسب بالكلية ثقة باللّه ( تعالى ) كما هو بالموت ، ومتى توكل على اللّه فهو حسبه . الرابع : القناعة وهو الخروج عن الشهوات النفسانية والتمتعات الحيوانية كما هو بالموت إلّا ما اضطر إليه من الحاجة الإنسانية ، فلا يسرف في المأكول والملبوس والمسكن ، ويختصر على ما لا بد منه . الخامس : العزلة وهي الخروج عن المخالطة بالإرادة والانقطاع كما بالموت ، إلّا عن خدمة الشيخ المربي كالغسال للميت ، فينقي بدنه كالميت بين يدي الغسال يتصرف فيه كما يشاء ليغسله بالولاية عن جنابته إلّا خبيثة ، ولوث الحدوث وأصل العزلة حبس الحواس بالخلوة عن التصرف في المحسوسات ، فإن كل آفة وفتنة وبلاء من ابتلاء الروح بها ، وكانت تقوية النفس وتربية صفاتها فيها دخلت من روزنة الحواس ، وبها تبعت النفس الروح إلى أسفل السافلين ، وقيدتها بها واستولت عليها ، وبالخلوة والعزلة الحواس تنقطع مدد النفس عن الدنيا والشيطان ، وإعانة الهوى والشهوة ، كما أن الطبيب في معالجة الأمراض يأمر أولا بالاحتماء عما يضره ويزيد في علل مرضه مدد المواد الفاسدة ، وقد قيل : الحمية رأس كل دواء ، ثم يعالجه بمسهل يزيد عنه المواد الفاسدة وتتقوى به القوة الطبيعية ليزول عنه المرض ، وتتجذب الصحة والمسهل فيه بعد الاحتماء

--> ( 1 ) - الفجر : 28 .